سيد قطب

3469

في ظلال القرآن

الذي لا يخطئ مرة كما يخطئ الإنسان في عمله ، ولا ينحرف عن طريقه ، ولا يضل الهدف المرسوم ! إن يد القدرة هي التي تتولى خطاها على طول الطريق . . في الرحلة العجيبة . الرحلة التي ما كان العقل ليصدقها ، وما كان الخيال ليتصورها ، لولا أنها حدثت وتحدث ويراها كل إنسان في صورة من الصور ، ونوع من الأنواع . . وإلا فأي عقل كان يصدق ، وأي خيال كان يتصور أن حبة القمح مثلا يمكن فيها هذا العود وهذا الورق ، وهذه السنبلة ، وهذا الحب الكثير ؟ ! أو أن النواة تكمن فيها نخلة كاملة سامقة بكل ما تحتويه ؟ ! أي عقل كان يمكن أن يتطاول به الخيال إلى تصور هذه العجيبة . لولا أنه يراها تقع بين يديه صباح مساء ؟ ولولا أن هذه القصة تتكرر على مرأى ومسمع من جميع الناس ؟ وأي إنسان يمكنه أن يدعي أنه صنع شيئا في هذه العجيبة سوى الحرث وإلقاء البذور التي صنعها اللّه ؟ ثم يقول الناس : زرعنا ! ! وهم لم يتجاوزوا الحرث وإلقاء البذور . أما القصة العجيبة التي تمثلها كل حبة وكل بذرة . وأما الخارقة التي تنبت من قلبها وتنمو وترتفع فكلها من صنع الخالق الزارع . ولو شاء لم تبدأ رحلتها . ولو شاء لم تتم قصتها . ولو شاء لجعلها حطاما قبل أن تؤتي ثمارها . وهي بمشيئته تقطع رحلتها من البدء إلى الختام ! ولو وقع هذا لظل الناس يلونون الحديث وينوعونه يقولون : « إِنَّا لَمُغْرَمُونَ » : غارمون « بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ » . . ولكن فضل اللّه يمنحهم الثمر ، ويسمح للنبتة أن تتم دورتها ، وتكمل رحلتها ، وهي ذاتها الرحلة التي تقوم بها الخلية التي تمنى . . وهي صورة من صور الحياة التي تنشئها القدرة وترعاها . فما ذا في النشأة الأخرى من غرابة . وهذه هي النشأة الأولى ؟ . . « أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ؟ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ؟ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً . فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ » ! وهذا الماء أصل الحياة ، وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر اللّه . ما دور الإنسان فيه ؟ دوره أنه يشربه . أما الذي أنشأه من عناصره ، وأما الذي أنزله من سحائبه ، فهو اللّه سبحانه . وهو الذي قدر أن يكون عذبا فكان « لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً » . مالحا لا يستساغ ، ولا ينشئ حياة . فهلا يشكرون فضل اللّه الذي أجرى مشيئته بما كان ؟ والمخاطبون ابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحائب ، في صورته المباشرة ، مادة حياتهم ، وموضع احتفالهم ، والحديث الذي يهز نفوسهم ، وقد خلدته قصائدهم وأشعارهم . . ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري ، بل لعلها تضاعفت . والذين يشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعورا بقيمة هذا الحدث من سواهم . فهو مادة اهتمام للبدائي في الصحراء ، وللعالم المشتغل بالأبحاث سواء . « أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ؟ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ؟ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ » . . ولقد كان كشف الإنسان للنار حادثا عظيما في حياته . ربما كان أعظم حادث بدأت منه حضارته . ولكنها أصبحت أمرا مألوفا لا يثير الاهتمام . . والإنسان يوري النار : أي يوقدها . ولكن من الذي أنشأ وقودها ؟ من الذي أنشأ الشجر الذي توقد به النار ؟ لقد مر حديث الزرع . والشجر من هذا الزرع . . على أن هناك لفتة أخرى في ذكر « شَجَرَتَها » . فمن احتكاك فرع من شجرة بفرع آخر من شجرة أخرى كان العرب يوقدون